عبد الرسول زين الدين

51

معجم النبات عند أهل البيت ( ع )

عرفوا ذلك بحواسهم ، وظهروا على تلك الشجرة التي يكون فيها خلط بعض هذه الأدوية التي لم تدرك حواسهم شيئا منها ؟ وهبه أصاب تلك الشجرة بعد بحثه عنها وتتبعه جميع شجر فارس ونباتها كيف عرف أنه لا يكون دواء حتى يضم إليه الإهليلج من الهند ، والمصطكي من الروم ، والمسك من التبت ، والدارصيني من الصين ، وخصي بيدستر من الترك ، والأفيون من مصر ، والصبر من اليمن ، والبورق من أرمينة ، وغير ذلك من أخلاط الأدوية التي تكون في أطراف الأرض ؟ وكيف عرف أن بعض تلك الأدوية وهي عقاقير مختلفة يكون المنفعة باجتماعها ولا يكون منفعتها في الحالات بغير اجتماع ؟ أم كيف اهتدى لمنابت هذه الأدوية وهي ألوان مختلفة وعقاقير متبائنة في بلدان متفرقة ؟ فمنها عروق ، ومنها الحاء ومنها ورق ، ومنها ثمر ، ومنها عصير ، ومنها مائع ومنها صمغ ، ومنها دهن ، ومنها ما يعصر ويطبخ ، ومنها ما يعصر ولا يطبخ ، مما سمي بلغات شتى لا يصلح بعضها إلا ببعض ولا يصير دواء إلا باجتماعها ، ومنها مرائر السباع والدواب البرية والبحرية ، وأهل هذه البلدان مع ذلك متعادون مختلفون متفرقون باللغات ، متغالبون بالمناصبة ومتحاربون بالقتل والسبي أفترى ذلك الحكيم تتبع هذه البلدان حتى عرف كل لغة وطاف كل وجه وتتبع هذه العقاقير مشرقا ومغربا آمنا صحيحا لا يخاف ولا يمرض ، سليما لا يعطب ، حيا لا يموت هاديا لا يضل ، قاصدا لا يجوز حافظا لا ينسى ، نشيطا لا يمل ، حتى عرف وقت أزمنتها ومواضع منابتها مع اختلاطها واختلاف صفاتها وتباين ألوانها وتفرق أسمائها ، ثم وضع مثالها على شبهها وصفتها ، ثم وصف كل شجرة بنباتها وورقها وثمرها وريحها وطعمها ؟ أم هل كان لهذا الحكيم بد من أن يتبع جميع أشجار الدنيا وبقولها وعروقها شجرة شجرة ، وورقة ورقة شيئا شيئا ؟ فهبه وقع على الشجرة التي أراد فكيف دلته حواسه على أنها تصلح لدواء ، والشجر مختلف منه الحلو والحامض والمر والمالح . وإن قلت : يستوصف في هذه البلدان ويعمل بالسؤال ، فأنى يسأل عما لم يعاين ولم يدركه بحواسه ؟ أم كيف يهتدي إلى من يسأله عن تلك الشجرة وهو يكلمه بغير لسانه وبغير لغته والأشياء كثيرة ؟ فهبه فعل كيف عرف منافعها ومضارها ، وتسكينها وتهييجها ، وباردها وحارها ، وحلوها ومرارتها وحرافتها ولينها وشديدها ؟ فلئن قلت : بالظن إن ذلك مما لا يدرك ولا يعرف بالطبائع والحواس ، ولئن قلت : بالتجربة والشرب لقد كان ينبغي له أن يموت في أول ما شرب وجرب تلك الأدوية بجهالته بها وقلة معرفته بمنافعها ومضارها وأكثرها السم القاتل . ولئن قلت : بل طاف في كل بلد ، وأقام في كل أمة يتعلم لغاتهم ويجرب بهم أدويتهم تقتل الأول فالأول منهم ما كان لتبلغ معرفته الدواء الواحد إلا بعد قتل قوم كثير ، فما كان أهل تلك البلدان الذين قتل منهم من قتل بتجربته بالذين ينقادونه بالقتل ولا يدعونه أن